الآلوسي

37

تفسير الآلوسي

وأما على معنى أن الإعادة أسهل على المخلوق أي أن يعيدوا شيئاً ويفعلوه ثانياً بعدما زاولوا فعله وعرفوه أولاً أسهل من أن يفعلوه أولاً قبل المزاولة وإذا كان هذا حال المخلوق فما بالك بالخالق ، ولا يخفى أن الظاهر رجوع الضمير إليه تعالى ، ثم إن الجار والمجرور صلة * ( أهون ) * وقدمت الصلة في قوله تعالى : * ( وهو على هين ) * وأخرت هنا لأنه قصد هنالك الاختصاص وهو محزة فقيل * ( هو على هين ) * وإن كان صعباً عندكم أن يولد بين هم وعاقر وأما ههنا فلا معنى للاختصاص كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى ، ولما أخبر سبحانه بأن الإعادة أهون عليه على طريق التمثيل عقب ذلك بقوله تعالى : * ( وَلَهُ ) * تعالى شأنه خاصة * ( المَثَلُ ) * أي الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال * ( الأَعْلَى ) * الذي ليس لغيره ما يدانيه فضلاً عما يساويه فكأنه قيل هذا لتفهيم العقول القاصرة إذ صفاته تعالى عجيبة وقدرته كل شأنه عامة وحكمته سبحانه تامة فكل شيء بدأ وإعادة وإيجاداً وإعداماً على حد سواء ولا مثل له تعالى ولا ند . وعن قتادة . ومجاهد أن * ( المثل الأعلى ) * لا إله إلا الله ، ولعلهما أرادا بذلك الوحدانية في ذاته تعالى وصفاته سبحانه ، والكلام عليه مرتبط بما قبله أيضاً كأنه قيل : ما ذكر لتفهيم العقول القاصرة لأنه تعالى لا يشاركه أحد في ذاته تعالى وصفاته عز وجل ، وقيل : مرتبط بما بعده من قوله تعالى : * ( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم ) * ( الروم : 28 ) وقال الزجاج : المثل قوله تعالى : * ( هو أهون عليه ) * قد ضربه الله تعالى مثلاً فيما يسهل ويصعب عندكم وينقاس على أصولكم فاللام في المثل للعهد وهو محمول على ظاهره غير مستعار للوصف العجيب الشأن * ( في السَّمَاوَات والأَرْض ) * متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على معنى أنه سبحانه قد وصف بذلك وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل ، وقيل : بالأعلى ، وقيل : بمحذوف هو حال منه أو من * ( المثل ) * أو من ضميره في * ( الأعلى ) * وقيل : متعلق بما تعلق به * ( له ) * أي له في السماوات والأرض المثل الأعلى ، والمراد أن دلالة خلقهما على عظيم القدرة أتم من دلالة الإنشاء فهو أدل على جواز الإعادة ولهذا جعل أعلى من الإنشاء فتأمل * ( وَهُوَ الْعَزيزُ ) * القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن وإعادته * ( الحَكيمُ ) * الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة . * ( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَْيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * . * ( ضَرَبَ لَكُمْ مثلاً ) * يتبين به بطلان الشرك * ( مِنْ أَنْفُسكُمْ ) * أي منتزعاً من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم وأعرفها عندكم وأظهرها دلالة على ما ذكر من بطلان الشرك لكونها بطريق الأولوية ، و * ( من ) * لابتداء الغاية وقوله تعالى : * ( هَل لَّكُمْ ) * إلى رخره تصوير للمثل ، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي و * ( لكم ) * خبر مقدم وقوله تعالى : * ( مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) * في موضع الحال من * ( شركاء ) * بعد لأنه نعت نكرة تقدم عليها ؛ والعامل فيها كما في " البحر " هو العامل في الجار والمجرور الواقع خبراً و * ( من ) * للتبعيض و * ( ما ) * واقعة على النوع ، وقوله تعالى : * ( مِنْ شُرَكَاءَ ) * مبتدأ و * ( من ) * مزيدة لتأكيد النفي المستفادة من الاستفهام ، وقوله تعالى : * ( في مَا رَزَقْنَاكُمْ ) * متعلق بشركاء أي هل شركاء فيما رزقناكم من الأموال وما يجري مجراها مما تتصرفون فيه كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم من نوع العبيد والأماء كائنون لكم . وجوز أن يكون * ( لكم ) * متعلقاً بشركاء ويكون * ( فيما رزقناكم ) * في موضع الخبر كما تقول لزيد في المدينة